عباس حسن

174

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

النحاة ، وحجته الاكتفاء بوجود الفتحة الدالة عليها - لأن هذا الحذف الخطّى قد يوقع في لبس أو احتمال ، يحسن الفرار منهما . وأفضل من كل ما سبق تحريكها بالكسر إذا وليها ساكن . وهذا رأى فريق آخر من النحاة ، وحجته : أن الأصل في التخلص من التقاء الساكنين هو الكسر « 1 » ، وأن الكسر هنا أخفّ وأبعد من اللبس ؛ فوق أنه مسموع في بعض أمثلة قليلة ؛ لكنها على قلتها مسايرة للأصل العام السالف . وهذا الرأي - على قلة أنصاره - أفضل كما قلنا ، لبعده عن شائبة اللبس

--> ( 1 ) قال شارح المفصل ( ج 9 ص 127 ) ما نصه : ( خ خ اعلم أن الأصل في كل ساكنين التقيا أن يحرك الأول منهما بالكسر ؛ نحو : بغت الأمة ، وقامت الجارية ، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا لعلة . . . خ خ ) ولم يذكر هو ولا غيره من المتمسكين بحذفها تعليلا مقبولا لحذف نون التوكيد الخفيفة التي يليها ساكن ، ولا لخروجها على الأصل العام . بل إن حذفها قد يؤدى إلى لبس محقق في حالات متعددة ؛ منها : المضارع المؤكد بالنون ، المعطوف على مضارع آخر كذلك ، مسبوق ، بلا الناهية ، مثل : لا تهملن وتلعب الساعة . فما نوع الفتحة التي على المضارع « تلعب » ؟ أهي فتحة بناء بسبب نون التوكيد المحذوفة ، والواو للعطف المجرد الذي لا أثر له في المعية ، ولا في البناء أيضا - من باب أولى ، لما هو هو معروف من أن العطف المبنى لا يجلب البناء للمعطوف مطلقا - أم هي فتحة إعراب ، والواو للعطف والمعية معا ؟ لا قرينة تمنع أحد الاحتمالين بالرغم من اختلاف المعنى اختلافا واسعا بينهما . حالة أخرى : هي الفعل المضارع المعتل الآخر بالألف إذا أريد توكيده بالنون الخفيفة مع جزمه بلا الناهية ، في مثل : لا تخشين الأذى في سبيل الحق . . . فلو حذفنا النون لالتقاء الساكنين وتركنا الفتحة قبلها دليلا عليها ، لصار الكلام : لا تخشى الأذى في سبيل الحق . وترك هذه الياء - المتطرفة ، المتحركة ، التي قبلها فتحة ، - من غير قلبها ألفا ، مخالف للضوابط اللغوية الأساسية . كما أن قلبها ألفا ، عملا بتلك الضوابط يؤدى إلى أن نقول : لا تخشى الأذى ( بألف مكتوبة ياء ) فنقع في محذور ؛ هو تلاقى الساكنين الذي يقتضينا أن نتخلص منه بحذف ألف العلة من آخر الفعل ، وهذا الحذف يؤدى إلى لبس لا دليل معه على أن الفعل مؤكد في أصله . وعدم التخلص منه يؤدى أيضا إلى لبس ؛ هو : اعتبار « لا » نافية ، وليست ناهية . لما سبق - وغيره - كان « ياسين » في حاشيته على التصريح محقا حين قال ما نصه عن التقاء نون التوكيد الخفيفة بساكن في الصورة السالفة : خ خ ( هلا حركت وأبقيت كغيرها من الحروف إذا كانت ساكنة ، ولقيت ساكنا ؟ . قلت : أشار السعد في شرح التصريف إلى أن السبب أن تحريكها خلاف وضعها من السكون . وأقول فحينئذ ما الفرق بينها وبين غيرها مما وضع ساكنا ؛ كمن ، وعن ؟ فتأمل ) خ خ . اه . فموضوع سؤاله صحيح دقيق ، لمسايرته للأصل العام في التقاء الساكنين ، والإجابة عنه جدلية محضة . وكان حقها أن تؤيّد بالسماع الذي له القول الفصل ؛ ولهذا جاءت واهية متداعية ، وقد دفعها بسؤال آخر هدمها وأبادها .